وفقا لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ـ ابنا ـ لم تعد الحرب مع إيران مجرد قضية عسكرية ودبلوماسية، بل بدأت تداعياتها تظهر تدريجياً في أسعار البنزين وتكاليف المعيشة والحسابات السياسية الأمريكية. وفي المقابل، تحوّل مضيق هرمز إلى ورقة ضغط استراتيجية قادرة على التأثير في أسواق الطاقة وأمن الملاحة البحرية، بما يُظهر أن التفوق العسكري لا يضمن بالضرورة أمن الملاحة واستقرار الأسواق العالمية.
وكلما طال أمد المواجهة وغابت الآفاق الواضحة لإنهائها، ازدادت تداعياتها الاقتصادية والسياسية وضوحاً. ويتمثل السؤال الرئيسي الآن في ما إذا كانت واشنطن قادرة على تحقيق أهدافها في هذه المواجهة من دون تحميل مواطنيها تكاليف باهظة.
الحرب مع إيران... كلفة اقتصادية وأخرى استراتيجية
وفي هذا السياق، قال الدكتور علي الإدريسي، أستاذ الاقتصاد المصري، في حوار مع وكالة «أبنا» للأنباء، بشأن التداعيات الاقتصادية للحرب على إيران بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية: «إن الحرب مع إيران تفرض كلفة مضاعفة على إدارة ترامب؛ تتمثل الأولى في كلفة اقتصادية يتحملها المواطنون الأمريكيون، والثانية في كلفة استراتيجية تتعلق بقدرة الولايات المتحدة على حماية مصالحها وحلفائها في الشرق الأوسط».
وأضاف أن الخسائر الاقتصادية لا تقتصر على النفقات العسكرية المباشرة، بل تمتد لتشمل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين والطاقة، وتزايد الضغوط التضخمية، فضلاً عن احتمال اضطرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة.
وأوضح هذا الخبير الاقتصادي أن معدل التضخم السنوي في الولايات المتحدة ارتفع إلى 3.7% في شهر سبتمبر، في حين زادت أسعار البنزين خلال الشهر نفسه بنسبة 9.1%. كما تجاوز متوسط سعر البنزين في شهر يوليو أربعة دولارات للجالون، مع استئناف المواجهات واضطراب حركة تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز.
النتيجة غير المحسومة للحرب... اختبار لشعبية ترامب وفرص الجمهوريين في الفوز
وأكد الإدريسي أن استمرار الحرب يضع واشنطن، على الصعيد الأمني، أمام معادلة صعبة؛ فعلى الرغم من التفوق العسكري الكبير للولايات المتحدة، فإن هذا التفوق وحده لا يضمن أمن الملاحة البحرية، ولا يمنع إيران من استخدام أدوات غير تقليدية، مثل استهداف السفن ورفع تكاليف التجارة العالمية.
وتابع الإدريسي أن الخطر الذي يواجه ترامب شخصياً يكمن في الفجوة بين وعوده والتكاليف التي يشعر بها الناخبون يومياً. فإذا لم تُفضِ العمليات العسكرية إلى نتيجة سياسية وأمنية واضحة، فقد تتحول الحرب من أداة لإثبات القوة إلى عبء يهدد شعبية ترامب وفرص حزبه في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في نوفمبر المقبل. وتشير تقارير حديثة إلى اتساع نطاق اعتراضات المواطنين على جدوى الحرب.
وأوضح أن المشكلة المتعلقة بأسعار الوقود والسلع لا تقتصر على البنزين؛ إذ تنتقل الزيادة في أسعار الطاقة إلى تكاليف النقل والغذاء والسلع المستوردة والإنتاج. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين تأثير الحرب والعوامل الأخرى، مثل مشكلات الإمدادات وتكاليف النقل والتطورات في أسواق الطاقة العالمية. ولذلك، لا يمكن عزو التضخم الأمريكي بالكامل إلى الحرب، وإن كانت قد أسهمت بوضوح في زيادة الضغوط التضخمية.
مضيق هرمز... ورقة ضغط استراتيجية في مواجهة القوة العسكرية الأمريكية
وفي معرض حديثه عن تأثير إيران في موازين القوى من خلال الجغرافيا السياسية للطاقة، قال الإدريسي إن إيران تستطيع، إلى حد كبير، توظيف موقعها الجغرافي عند مضيق هرمز بوصفه ورقة ضغط استراتيجية، حتى مع وجود تفاوت كبير في القدرات العسكرية التقليدية بينها وبين الولايات المتحدة.
وأكد أن القوة في هذا المجال لا تُقاس فقط بعدد الطائرات والسفن والصواريخ، بل تُقاس أيضاً بالقدرة على التأثير في تدفقات الطاقة ورفع تكاليف تأمينها ونقلها.
وأضاف الخبير الاقتصادي المصري أنه في الظروف الطبيعية، يمر عبر مضيق هرمز نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، الأمر الذي يجعل أي اضطراب واسع النطاق ومستمر فيه ذا تداعيات تتجاوز دول الخليج لتطال الاقتصادات الصناعية والمستهلكين في مختلف أنحاء العالم.
وأوضح أن التطورات الأخيرة أظهرت أن تهديد الملاحة البحرية يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط وتكاليف الشحن والتأمين، حتى قبل حدوث نقص طويل الأمد في الإمدادات.
وتابع الإدريسي أنه ينبغي، في الوقت نفسه، الإقرار بأن إيران لا تستطيع تغيير موازين القوى من دون تحمّل تكاليف، كما أن اضطراب الملاحة لا يعني أنها تفرض سيطرة كاملة على المضيق. فالولايات المتحدة، من جانبها، تفرض حصاراً بحرياً على إيران وتواصل عملياتها الرامية إلى حماية الملاحة البحرية، في حين تواجه إيران ضغوطاً على صادراتها النفطية ومواردها من العملات الأجنبية.
واختتم بالقول إننا أمام صراع متبادل على حرية الملاحة وتدفقات الطاقة.
تعليقك